ابن قيم الجوزية
114
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل ، من جهة أمره وكلامه ، فهذا استدلال بأمره ، وذاك بخلقه ، ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين ، وشهد لهذا أيضا قوله وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) [ العنكبوت ] . ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول : لما سألوا آية ، أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك ، فإنه قادر على ذلك ، وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم ، إذ لو أنزلها على وفق اقتراحهم ، لعوجلوا بالعقوبة ، إن لم يؤمنوا ، ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو ، فمن قدر على خلق هذه الأمم ، مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها ، كيف يعجز عن إنزال آية ؟ ! ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه ، بأنّ هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم ، وقدّر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب ، لم يفرط فيه من شيء ، ثم يميتهم ، ثم يحشرهم إليه ، والذين كذبوا بآياتنا صمّ وبكم في الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ، ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ، ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر ، بل الأمر كله له ، من يشأ يضلله ، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ، فهو أظهر القولين ، واللّه أعلم . وقال حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) [ الزخرف ] قال ابن عباس : في اللوح المحفوظ المقرى عندنا . قال مقاتل : إن نسخته في أصل الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ ، وأمّ الكتاب أصل الكتاب ، وأمّ كل شيء أصله ، والقرآن كتبه اللّه في اللوح المحفوظ ، قبل خلق السماوات والأرض كما قال